ابن تيميه
78
شرح العقيدة الإصفهانية
والفصل الرابع : أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة قالوا : إن القرآن بائن من اللّه وكذلك سائر كلامه ، وزعموا أن اللّه خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى ، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل ، ولا يصح عندهم أنه وجد من اللّه كلام يقوم به في الحقيقة . وقال أهل الجماعة : بل القرآن غير بائن من اللّه وإنما هو موجود منه وقائم به . وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة ، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة . وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على اللّه في التوحيد قال : وادعى المعارض أن قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي من الليل الثلث ، فيقول : هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من داع ؟ » « 1 » . قال : فادعى المعارض أن اللّه لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم ، والقيوم بزعمه من لا يزول . قال : فيقال لهذا المعارض : وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان ، ولا لمذهبه برهان لأن أمر اللّه ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان ، فما بال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار ، ويوقت في الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار ؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه ؟ فيقولا : « هل من داع فأجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ » فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون اللّه وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء . وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون ، ما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 1 / 289 و 4 / 190 و 479 ) ومسلم في صحيحه ( 2 / 175 ) ومالك في الموطأ ( 1 / 214 / 30 ) وأبو داود في سننه برقم ( 1315 ) والترمذي في سننه ( 2 / 263 ) وابن ماجة في سننه برقم ( 1366 ) والدارمي في سننه ( 1 / 347 ) وأحمد في المسند ( 2 / 264 و 267 و 487 ) والبيهقي في سننه ( 3 / 2 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .